إنتصار الهزيمة .....

إنتصار الهزيمة



إعتادت والدته على شد وثاقه عند لجوءه إلى النوم في كل ليلة ..حيث تربط يديه وساقيه كما يربط الأسير ، والدموع تنهمر من عينيه !
وذات مرة سألها بصوت باكي لجوج" أمي ..قد مملت تلك الحبال ..لم لا تدعيني أنام هذه الليلة في سلام ؟ ".
مسدت على شعره الكثيف وأجابته بصوت حنون
-" أنت تعلم إني أخشى عليك من حماقة ترتكبها وأنت نائم ".
إنه يعاني من مرض السير وهو نائم ..ولكم مرة وجدته أمه الأرملة ذات ليلة ، يخرج من البيت ، يفر كأنه يفر من شئ مخيف ..وعندما قفلت مصراع الباب بإحكام..أتخذ النافذة طريق للهروب !
ورغم تنقلها به بين كثير من أطباء الجسد ، لكن العلاج لم يأتي بنتيجة مرضية !
حتى وصلت إلى طبيب نفساني ..وجد أنه يعاني من فوبيا عجوز تلاحقه ..علل السبب إن القصص التي سمعها منذ الصغرعن( السعلوة ) شكلت في مخيلته حاجز ينفتح بإساطيره عند نومه ..فيهم هاربا من تلك العجوز التي يراها شعثاء الشعر، ذات أظافر طويلة قذرة ، وهندام مترهي حالك السواد ، مليء بدماء أطفال كانوا ضحاياها .
ومع كثرة الجلسات ،كانت تجده ينحف ، ويعاني صارخا " لا ..لا تقتليني .." .
أشعرها ذلك بالبؤس ، حتى قررت التوقف عن تلك الجلسات ، التي جلبت مشقة صغيرها الوحيد الذي لم يبلغ الثلاثة عشر من عمره بعد ، وإندفعت إلى إتجاه أخر ..أبواب العرافيين والدجالين ..ولم تجد سبيل الخلاص أيضا .

ولما دب اليأس قلبها .. توصلت إلى وسيلة ربطه بالحبال لحفظه من الخطرلأعوام ، حتى يشب ويكبر ويحطم ذلك الحاجز بعقله الناضج .
-" أمي ..أعدك إني لن أهرب ..سأكون شجاع ..فقط هذه المرة ..دعيني أنام حرا ".توسلها وعينيه تغرقها الدموع .
تنهدت والدته بعمق بعد أن حولت أنظارها إلى النافذة ..فقد أحكمت لحم قطع جديدة فيها ، كما في النوافذ الأخرى لتمنع فراره منها ..أجابته بصوت حزين من قلب يعتصر ألما
-" حسنا ..سأمنحك فرصة تثبت فيها شجاعتك ..سأحل وثاقك ..إن ألتزمت مكانك ولم تفر هاربا ، فغدا لن أقيدك أيضا ..ولكن إن هربت فستكون هذه أخر مرة تطلب مني هذا ".

أشرقت ملامحه أبتسامة عريضة مجيبا" سأثبت لك شجاعتي يا أمي ".
راقبها وهي تحل وثاقه والخوف يطوف على تقاسيم وجهها المتعب ، ثم إنصرافها إلى سريرها ، بعد أن قبلت جبينه بحنان هامسه " كن ولدا عاقلا ".

أخذا يحدث نفسه والنوم يفرد أجنحته عليه شيء فشيء " سأفعل يا أمي ..سأكون ولدا عاقلا ..وإن ظهرت تلك العجوز ..لن أهرب منها هذه المرة..
بل سأقاومها ..لن أرتعد خوفا ..ولن أتردد في الركض إلى إلمطبخ ..وفتح درج السكاكين ..سأقتنى واحدة ..سكينة اللحم ..تلك السكينة الحادة ..ستكون سلاح جيد ..ودون خوفا ..أو فزع ..سأطعنها في جسدها ..في قلبها أولا ثم في بطنها..مرات ومرات . ...ولن أفزع من نظراتها المحدقة نحوي..لابد إن الصدمة أسكتت لسانها عن النطق ..لن أخشاها ..ولن أخشى الدماء التي تلوث ثيابي ..حتى وإن كانت متدفقة بحرارة ..ففي النهاية تلك دماء العجوز..سأقتلها وأهزمها شر هزيمة ...وسأعلن أنتصاري عليها ".
فتح عينيه في صباح التالي ..نهض مسرعا إلى سرير والدته والفرحة تملى صدره ...كانت هي جسد ملطخ بالدماء ، وكانت عينيها فارغتين ..ساكنتين.. محدقتين في الفراغ .. كأنها ملاتهما بوجهة ما ..كان أخر وجه تراه !



بقلم
رشا الصيدلي

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

 
Powered by Blogger | Printable Coupons